عبد الرحمن السهيلي

16

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

وأما قول بلال : * بفجٍّ وحولي إذخرٌ وجليل * ففج موضع خارج مكة به مويه يقول فيه الشاعر : ماذا بفجٍّ من الإشراق والطّيب * ومن جوارٍ نقيّاتٍ رعابيب وبفج اغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم ، والإذخر من نبات مكة . قال أحمد بن داود وهو أبو حنيفة الدينوري صاحب كتاب النبات : الإذخر فيما حكي عن الأعراب الأول له أصل مندفق وقضبان دقاق ، وهو ذفر الريح ، وهو مثل الأصل أصل الكولان إلا أنه أعرض كعوباً ، وله ثمرة كأنها مكاسح القصب إلا أنها أرق وأصغر . قال أبو زياد ، الأذخر يشبه في نباته بنبات الأسل الذي تعمل منه الحصر ، ويشبه نباته الغرز ، والغرز ضرب من الثمام ، واحدته : غرزة ، ويتخذ من الغرز الغرابيل والأذخر أرق منه ، والإذخر يطحن فيدخل في الطيب ، وقال أبو عمرو : وهو من الجنبة ، وقلما تنبت الأذخرة منفردةً ، وقال في الجليل عن أبي نصر : إن أهل الحجاز يسمون الثمام الجليل ، ومعنى الجنبة التي ذكر أبو عمرو : وهو كل نبات له أصول ثابتة ، لا تذهب بذهاب فرعه في الغيط ، وتلقح في الخريف ، وليست كالشجر الذي يبقى أصله وفرعه في الغيط ، ولا كالنجم الذي يذهب فرعه وأصله ، فلا يعود إلا زريعته جانب النجم والشجر ، فسمي جنبةً ، ويقال للجنبة أيضاً : الطريفة ، قاله أبو حنيفة . ومجنة سوق من أسواق العرب بين عكاظ وذي المجاز ، وكلها ، أسواق قد تقدم ذكرها . ومجنة يجوز أن تكون مفعلة وفعلة ، فقد قال سيبويه : في المجن إن ميمه أصلية ، وأنه فعل ، وخالفه في ذلك الناس وجعلوه مفعلاً ، من جن إذا ستر ، ومن أسواقهم أيضاً حباشة ، وهي أبعد من هذه ، وأما شامة وطفيل ، فقال الخطابي في كتاب الأعلام في شرح البخاري : كنت أحسبهما جبلين ، حتى مررت بهما ، ووقفت عليهما فإذا هما عينان من ماء ، ويقوي قول الخطابي إنهما عينان قول كثير : وما أنس م الأشياء لا أنس موقفاً * لنا ، ولهاً بالخبت خبت طفيل والخبت : منخفض الأرض . وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة ، وبارك لنا في مدها وصاعها يعني الطعام الذي يكال بالصاع ، ولذلك قال في حديث آخر : كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه ، وشكا إليه قوم سرعة فناء طعامهم ، فقال : أتهيلون أم تكيلون ؟ فقالوا : بل نهيل ، فقال : كيلوا ولا تهيلوا ومن رواه : قوتوا طعامكم يبارك لكم فيه ، فمعناه عندهم : تصغير الأرغفة ، وهكذا رواه البزار من طريق أبي الدرداء ، وذكر في تفسيره ما قلناه ، وذكر أبو عبيد : المد في كتاب الأموال ، أعني مد المدينة فقال : هو رطل وثلث ، والرطل : مائة وثمانية وعشرون درهماً ، والدرهم خمسون حبةً وخمسان . وقوله صلى الله عليه وسلم : وانقل حماها ، واجعلها بمهيعة ، وهي الجحفة ، كأنه عليه السلام لم يرد إبعاد الحمى عن جميع أرض الإسلام ، ولو أراد ذلك لقال : انقل حماها ، ولم يخص موضعاً ، أو كان يخص بلاد الكفر ، وذلك والله أعلم لأنه قد نهى عن سب الحمى ولعنها في حديث أم المسيب وأخبر أنها طهور ، وأنها حظ كل مؤمن من النار ، فجمع بين الرفق بأصحابه فدعا لهم بالشفاء منها ، وبين أن لا يحرموا أيضاً الأجر فيما يصيبوا منها ، فلم يبعدها كل البعد .